محمد بن أحمد الفاسي
42
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
وأما أخذ صدقة الفرض مع الغنى بالمال أو القوة على الكسب ممن له بالمهنة عادة : فحرام . وأما إذا تعارض الاشتغال بالعبادة مع السؤال ، أو الاشتغال بالكسب : فبين أهل الطريق فيه اختلاف . والذي يظهر لي أن عمارة الزمن بالعبادة مع تضييع زمن يسير في السؤال لتحصيل قيام النية أولى . وأما الاشتغال بعلم فرض الكفاية : فإنه أولى من الاشتغال بالسبب مع الجهل ، وإذا أبيح السؤال ، وحصل ما يزيد على الكفاية ، فإن ادخره لغيره فلا بأس . وأما لنفسه ، فحكمه في طريق القوم : المنع ، كان عليه السلام لا يدخر شيئا لغد . وأما أكل الطيب ، ولبس الناعم : فعند قصده لذلك ، فهو ممنوع منه ، وإن وقع شئ من ذلك ، فإن اختار التقشف وإيثار الغيرية ، كان في حقه أولى ، وإن وافق وأخذ بقدر الضرورة ، فلا بأس . وله أن يأكل بإدام ، وله أن يدروز لعائلته ما يتم به كفايتهم ، وكذلك لمن يرد عليه من الفقراء . وحمل الزنبيل له في الطريق شروط : أحدها : خلوه عن الخط فيه ، بل يمتثل ما يؤمر به من المتقدم عليه . وثانيها : إحضار ما طرح فيه بين يدي من أقامه في تلك الخدمة . وثالثها : وجود الأمانة فيما يحمله إلى الجماعة حتى يأتي به موفرا لا يخرج شيئا منه لا لنفسه ولا لغيره . ورابعها : أن يخرج وهو آيس من تعلق الأمل لجهة معينة ، بل يقصد اللّه تعالى في تيسير طلبه . وخامسها : إن سأل شخصا معينا فلا يقف عنده بعد رده ، إما بإباحة أو منع ، ولا يفعل كما يفعل العوام من السؤال ، ويقول : عاودوهم ، فإن القلوب بيد اللّه تعالى . وسادسها : إن سأل وهو مار في طريقه فليأخذ ما يعطاه وهو مقبل ، ولا يرجع لمن يريد أن يعطيه شيئا إذا ولى عنه ، بل إن أراد المعطى يتبعه حتى يعطيه ذلك القدر ، فإن رجع وأخذ منه كان خللا فيما التزمه من طريقه .